السيد محمد حسين فضل الله

74

من وحي القرآن

الواقعي للإنسان الذي أخذ بهذا المنطق الكافر واستسلم له ، واعتبر أن النتائج التي يترقّبها في الدنيا ستحصل لديه عاجلا أو آجلا ، ولهذا أكّد حصوله على المال والولد في ما يستقبل من حياته . وقد ورد في بعض التفاسير ، أن هذا الرجل هو العاص بن وائل بن هشام القرشي ثم السهمي ، وكان أحد المستهزئين ، وكان لخباب بن الأرتّ عليه حق فأتاه يتقاضاه ، فقال له العاص : « أو لستم تزعمون أن في الجنة ذهبا وفضة وحريرا ؟ قال خباب : بلى ، قال : فأخرني حتى أقضيك في الجنة استهزاء ، فو اللّه لئن كان ما تقول حقّا ، إني لأفضل فيها نصيبا منك . ولكن الظاهر أن الآية تتحدث عن كلام الرجل الكافر ، بصيغة الجزم الذي لا يتناسب مع كفره باليوم الآخر ، مما يوحي بأن المسألة تتصل بحصوله على ما يريده في الدنيا ، جريا على المنطق الذي يربط بين الكفر والحصول على النتائج الإيجابيه . وحديث العاص الذي نقله بعض المفسرين لا يتناسب مع مطالبة الرجل بحقه ، كما لا يتناسب مع الآية التي تتحدث عن رغبة ذاتية بعيدة عن مطالب الآخرين عنده . أَطَّلَعَ الْغَيْبَ في ما يأتي به المستقبل ، أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمنِ عَهْداً في ما يمكن أن يعتمد عليه من عهد عند اللّه ، ليطمئن إليه في الحصول على ما يريد ؟ كَلَّا فليس لديه علم الغيب ، ولا يملك عند اللّه عهدا ، سَنَكْتُبُ ما يَقُولُ من كلامه المتضمن للكفر ، ومن منطقه الذي يرتكز عليه في آماله ، وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذابِ مَدًّا في ما يستحقه منه فيعطيه اللّه ذلك تبعا لا انقطاع له . وَنَرِثُهُ ما يَقُولُ فهو الذي يبقى له من دنياه ، ويغني ماله وولده ويتركه خلفه ، وَيَأْتِينا فَرْداً ليس معه شيء مما كان يزهو به أو ينتصر به . وينهزم المنطق الكافر الذي كان يرى في الكفر خط السعادة ، بينما يرى في الإيمان خط الشقاء ، ليرى الآن ، أن العاقبة كلها والخير كله للإيمان في الدنيا والآخرة .